ميزان العدالة ... رؤية بين الأخلاق و النسبية
( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) سورة يوسف الآية 30
( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) سورة يوسف الآية 31
الأخلاق ...
هل ساءلت نفسك و لو لمرة واحدة ما مدى إستمساكي بالأخلاق ..؟؟
و هل هذا الإستمساك .. إستمساك حقيقي ..؟؟ ..أم أنه محض وهم لم تختبره الظروف و المحن الشديدة ؟! .. هل أخلاقي فعلا من معدن أصيل ؟ و ماذا لو تعرض للجحيم و اللهب .. هل ينطلي عن كونه محض رماد ؟ خلفته بقايا من خشب ... ام أنه .. أصل الذهب ..؟؟
من اليسير جدااااااااا أن ننتقد الآخرين و ان نراقبهم في إزدراء و إستنكار لما يفعلون و نلوم عليهم تلك الأفاعيل ( البذيئة ) التي ( يســـــــــــتحيل ) أن نسقط فيها أو حتى نتطرق إليها ...فنشير بأصبع إتهام ثابت و حاد إلى ( الآخرين ) في محاولة لا شعورية لإثبات تميزنا و إسقاط الأخطاء عليهم باي شكل كان و بلا رحمة أو تروي ...
و لكن ... مهلا ...
لنتأمل معا بعض المواقف و الأمثلة القليلة و نتفكر فيها بعمق تام و ضمير محايد .. ثم نعيد التساؤل الأول مرة أخرى ... ما مدى كوني ... خلوقا .. و صادقا ...
لو تأملنا مثلا في قصة ( إمرأة العزيز ) على سبيل المثال فإننا إذ نعرض كل المحاور و التداخلات المتواجدة في القصة نستخلص منها بعض الحقائق الثابتة و التي لم يكترث الكثيرون بالربط بينها لإستخلاص الحكمة و الرؤية الإنسانية لكل الأبعاد الحقيقية و أكتفوا باللوم و الإستهجان لتلك المرأة اللاهية .. العابثة ...
إمرأة العزيز ـــ إمرأة شابة ــ تزوجها عزيز مصر ــ و بالتأكيد فقد كانت على قسط وافر من الجمال و الفتنة ليختارها ذلك الرجل صاحب السلطة و الأمر في البلاد ...
هذة المرأة الجميلة تزوجها العزيز ــ الرجل المريض ــ الذى إرتضى على نفسه أن يحبسها في قفص من الذهب و يحيطها بسياج من الخدم و الحشم و السلطة الزائفة التى لا تساوي شيئا امام كيان إمرأة و احقيتها في الحياة ..لو تاملنا موقفها و حاولنا التعايش مع نفس الظروف .. فإننا نرى الجانب الآخر من حياة تلك المرأة التعيسة للغاية .. و هي تراقب سنوات عمرها المضيئة تنطفيء يوما بعد يوم ــ و تأتي لها الأقدار بأعظم رجال الأرض فتنة و سحرا و جمالا ... ليقيم معها في ذات القصر .. تلقاه .. تحادثه .. تتعايش مع وجوده سنوات و سنوات .. و هي علي تلك الحال و هو من هو ذاك الرجل العظيم الفتنة ــ ثم تتعلق به ذلك التعلق الجنوني الإنتحاري ــ فماذا كان من رده فعل الآخرين بعد أن شاعت القصة و تخطت حدود القصر الكبير ..؟؟
ماذا كان رد الفعل .. ؟؟ ــ بالقطع .. كان اللوم العظيم و التوبيخ و الإزدراء الشديد لفعلتها الشنعاء ــ و لكن أنظر لتلك المفارقة ( المبهرة ) حينما أدخلت عليهن الفتى باطش الحسن ( للحظـــة ) و ليس ليوم او عام او أعوام ... فما كان منهن اللواتي أتين باللوم إلا ان ( أكبرنه .. و قطعن ايديهن ) فيالها من إمرأة عميقة الحكمة ...
و لنتبصر أيضا في دعاء يوسف عليه السلام :
( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) يوسف الآية 33
يتبين لنا من سياق الآية الكريمة انهن ( وقعن ) في نفس المحظور ... مما يتأكد به خبث النوايا و كذب الضمير و زيف المنطق لديهن في إنكارهن ما فعلت المرأة من قبل ...
فقارن معي يا صديقي بمكيال العدالة .. أيهن كان الأكثر شرفا ,, و صبرا .. و إحتمالا .... ؟؟؟
يحكي لنا التاريخ على مر العصور نماذجا عن الملوك الذين خانوا الأمانات و نهبوا ثروة الشعوب المغلوبة .. و بطشهم و إستجبارهم على الخلائق ... نعم لا ننكر أنها أفعال جد شنيعة ... و لكن ...
هل تساءلت يوما ما تأثير السلطة و السطوة و المال المنهمر كالسيول على نفس ( بشــر ) و لو كان ملكا حاكما ؟؟ .. و لو قارنت إفتتان هذا الرجل بتلك الأمور المغرية .. حتى يسقط في حيز اللصوصية و الإجرام ... فكيف تحكم على لص ... يضعف أمام بضع آلاف من الجنيهات و يمد يده الاثمة بالسرقة و أحيانا القتل .. و قد يحدث هذا من أجل حلية ذهبية في اذن طفلة بريئة ربما يرمي بها القدر في طريق ( لص ) و مجرم تجرد من أبسط قواعد الرحمة و الإنسانية ...
فأيهما كان أشد في الإفتتان و الغواية .. و أيهما كان الأعظم إثما .. ؟؟؟
يروي لنا ديننا الحنيف عن موقفين عظيمين يوضحان المفارقات الغريبة في الأحكام الربانية .. حين غفر المولى سبحانة و تعالى ( لبغـــــي ) لأنها ــ سقت كلبا ــ كاد يموت من شدة العطش ـــ غفر لها صاحب الرحمة العليم ببطائن النفوس و خبايا القلوب و السرائر .. لإنه إطلع على ما لم نحط به علما و هو البعد الخفي في تلك المرأة البغي .. حين حكم بما يعلم من أمرها من شقيِّ المعادلة الإنسانية بين المعاناة و القدرة على الإحتمال ــ فحكم سبحانه بما شاء .. و هو أحكم الحاكمين سبحانه ..
في القرآن الكريم آية رائعة .. طالما تأملتها و استوقفتني بعمق ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) سبحان الله .. جاءت النفس بصيغة التفرد و جاءت السعة بصيغة التفرد لأنها سعة مختلفة القدر بين نفوس البشر لا يعلم مقدارها إلا الخالق العظيم .. فما تحتمله أنت و تطيقه .. قد لا أطيقه انا .. و من هنا جاء تسليم دفة الأحكام للباريء العليم الحكيم ... العدل ..
و الموقف الآخر حينما إحتاجت إمرأة لمبلغ من المال و كانت تعاني ضيقا شديدا و هي في أمس الحاجة إلى ذلك المال و إذ يتنكر لها الناس لا تجد مفرا من اللجوء لذلك الرجل ( البغيض ) و الذى عرف بسوء سلوكه و قله تقواه و علاقاته المشينة .. فذهبت إليه صاغرة ذليلة ليوافق أن يمنحها المال في مقابل أن تمنحه هي .. و هي من هي المرأة الفضيلة الطاهرة ــ يشترط عليها أن تتنازل له عن ( شرفها ) مقابل المال .. فتبكي المرأة و تستعطف رجلا ( لا يعرف الرحمة ) و هو يصر على شرطة الجائر الفظيع ــ و ترضخ المرأة تحت وطأة الحاجة .. و تأتي لحظة اللقاء المرتقب .. فترتعد أوصالها و تبكي و تستحلفه بالله بمقولتها الشهيرة ( إتق الله و لا تفض الخاتم إلا بحقه ) .. فينزوي عنها الرجل ( الجبار ) في لحظة هي أعظم لحظات حياته و يقرضها المال و يطلق سراحها طاهرة عفيفة .. ثم يجدونه في صبيحة اليوم التالي مسجى على الأرض و قد فارق الحياة بينما حفرت على باب غرفته حروفا مضيئة تقول ( لقد غفرت لعبدي ) ... غفرت ؟؟ ... لعبدي .. ؟؟ .. بعد كل تلك الأهوال و الفضائح و الذنوب العاتية .. فأي خير دفين كان في قلبك أيها الرجل .. سبحانك يا من تعلم و لا نعلم .. و تدرك و لا ندرك .. و أنت العظيم الحليم ...
و على صعيد آخر أكثر إدهاشا و عجبا .. نرى قصة ذلك الشاب الصالح .. الذى قضى حياته بين دور العبادة و كان مؤذنا يعلو صوته بالحق فوق المنابر ... فإذاه يلتقي بجارته ( النصرانية ) التي تملك عليه لبه و كيانه .. فيسقط بلا توان ... و ينهار أمام إغراءاتها الشديدة الفتنة .. حتى يأتيها ذليلا خاضعا منكسرا فتشترط عليه ان ( يتنصـــر ) أولا حتى ترضى له و تطيب .. و إذ يرتد الفتى ... صاحب المنبر عن دينه يأتي في نفس اللحظة ملك الموت ليقبض روحه ليلقى ربه ( كافرا ) بعد عمر قضاه فوق المنابر ... فاي دنس كان في نفسك أيها الرجل .. أي دنس خفي ... ؟!! ...
التجــربة .. المحنة .. و الإبتلاء .. هم المحك الرئيسي للحكم على البشر ... لتقييم عمق و مصداقية الأخلاق ..و تبقى أبعادا أخري لا زالت خافيه لا يدركها غيره سبحانه ( من يعلم السر و أخفى ) ... و القائل في كتابه الكريم ( لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم .. و لا نساء من نساء . عسى أن يكن خيرا منهن ) ..و صدق الرسول الكريم حين قارن بين رجلين تبرع أحدهما بدرهم لوجه الله و تبرع الاخر بمبالغ طائلة لوجه الله فإذاه المصطفى الكريم يرجح معروف صاحب الدرهم عن صاحب العطايا الكبيرة لكونه الرجل كان ( لا يمتلك ) من دنياه سوى ذلك الدرهم فهو بالقياس ( تبرع بكل ما يملك ) لوجه الله .. بينما تبرع الآخر .. بجزء من ماله ...
و نرى الإمام الجليل ( الغزالي ) في مقارنته بين فضل الصبر على المحن و الشكر على النعمة في كتابه العظيم ( إحياء علوم الدين) فيخبرنا بأن الشكر على النعمة يتعدى في معروفه و فضله الصبر على البلاء .. لأن الشاكر ( فاعل بإرادته ) طائع بمحبته .. و ربما كان صبر المبتلى صبرا قهريا لا حيله له فيه و لا إراده ..
اللهم فاخلص النوايا و أرحمنا و أرزقنا فضيلة ( الصـــدق ) يا أرحم الراحمين ..
( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) سورة يوسف الآية 31
الأخلاق ...
هل ساءلت نفسك و لو لمرة واحدة ما مدى إستمساكي بالأخلاق ..؟؟
و هل هذا الإستمساك .. إستمساك حقيقي ..؟؟ ..أم أنه محض وهم لم تختبره الظروف و المحن الشديدة ؟! .. هل أخلاقي فعلا من معدن أصيل ؟ و ماذا لو تعرض للجحيم و اللهب .. هل ينطلي عن كونه محض رماد ؟ خلفته بقايا من خشب ... ام أنه .. أصل الذهب ..؟؟
من اليسير جدااااااااا أن ننتقد الآخرين و ان نراقبهم في إزدراء و إستنكار لما يفعلون و نلوم عليهم تلك الأفاعيل ( البذيئة ) التي ( يســـــــــــتحيل ) أن نسقط فيها أو حتى نتطرق إليها ...فنشير بأصبع إتهام ثابت و حاد إلى ( الآخرين ) في محاولة لا شعورية لإثبات تميزنا و إسقاط الأخطاء عليهم باي شكل كان و بلا رحمة أو تروي ...
و لكن ... مهلا ...
لنتأمل معا بعض المواقف و الأمثلة القليلة و نتفكر فيها بعمق تام و ضمير محايد .. ثم نعيد التساؤل الأول مرة أخرى ... ما مدى كوني ... خلوقا .. و صادقا ...
لو تأملنا مثلا في قصة ( إمرأة العزيز ) على سبيل المثال فإننا إذ نعرض كل المحاور و التداخلات المتواجدة في القصة نستخلص منها بعض الحقائق الثابتة و التي لم يكترث الكثيرون بالربط بينها لإستخلاص الحكمة و الرؤية الإنسانية لكل الأبعاد الحقيقية و أكتفوا باللوم و الإستهجان لتلك المرأة اللاهية .. العابثة ...
إمرأة العزيز ـــ إمرأة شابة ــ تزوجها عزيز مصر ــ و بالتأكيد فقد كانت على قسط وافر من الجمال و الفتنة ليختارها ذلك الرجل صاحب السلطة و الأمر في البلاد ...
هذة المرأة الجميلة تزوجها العزيز ــ الرجل المريض ــ الذى إرتضى على نفسه أن يحبسها في قفص من الذهب و يحيطها بسياج من الخدم و الحشم و السلطة الزائفة التى لا تساوي شيئا امام كيان إمرأة و احقيتها في الحياة ..لو تاملنا موقفها و حاولنا التعايش مع نفس الظروف .. فإننا نرى الجانب الآخر من حياة تلك المرأة التعيسة للغاية .. و هي تراقب سنوات عمرها المضيئة تنطفيء يوما بعد يوم ــ و تأتي لها الأقدار بأعظم رجال الأرض فتنة و سحرا و جمالا ... ليقيم معها في ذات القصر .. تلقاه .. تحادثه .. تتعايش مع وجوده سنوات و سنوات .. و هي علي تلك الحال و هو من هو ذاك الرجل العظيم الفتنة ــ ثم تتعلق به ذلك التعلق الجنوني الإنتحاري ــ فماذا كان من رده فعل الآخرين بعد أن شاعت القصة و تخطت حدود القصر الكبير ..؟؟
ماذا كان رد الفعل .. ؟؟ ــ بالقطع .. كان اللوم العظيم و التوبيخ و الإزدراء الشديد لفعلتها الشنعاء ــ و لكن أنظر لتلك المفارقة ( المبهرة ) حينما أدخلت عليهن الفتى باطش الحسن ( للحظـــة ) و ليس ليوم او عام او أعوام ... فما كان منهن اللواتي أتين باللوم إلا ان ( أكبرنه .. و قطعن ايديهن ) فيالها من إمرأة عميقة الحكمة ...
و لنتبصر أيضا في دعاء يوسف عليه السلام :
( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ) يوسف الآية 33
يتبين لنا من سياق الآية الكريمة انهن ( وقعن ) في نفس المحظور ... مما يتأكد به خبث النوايا و كذب الضمير و زيف المنطق لديهن في إنكارهن ما فعلت المرأة من قبل ...
فقارن معي يا صديقي بمكيال العدالة .. أيهن كان الأكثر شرفا ,, و صبرا .. و إحتمالا .... ؟؟؟
يحكي لنا التاريخ على مر العصور نماذجا عن الملوك الذين خانوا الأمانات و نهبوا ثروة الشعوب المغلوبة .. و بطشهم و إستجبارهم على الخلائق ... نعم لا ننكر أنها أفعال جد شنيعة ... و لكن ...
هل تساءلت يوما ما تأثير السلطة و السطوة و المال المنهمر كالسيول على نفس ( بشــر ) و لو كان ملكا حاكما ؟؟ .. و لو قارنت إفتتان هذا الرجل بتلك الأمور المغرية .. حتى يسقط في حيز اللصوصية و الإجرام ... فكيف تحكم على لص ... يضعف أمام بضع آلاف من الجنيهات و يمد يده الاثمة بالسرقة و أحيانا القتل .. و قد يحدث هذا من أجل حلية ذهبية في اذن طفلة بريئة ربما يرمي بها القدر في طريق ( لص ) و مجرم تجرد من أبسط قواعد الرحمة و الإنسانية ...
فأيهما كان أشد في الإفتتان و الغواية .. و أيهما كان الأعظم إثما .. ؟؟؟
يروي لنا ديننا الحنيف عن موقفين عظيمين يوضحان المفارقات الغريبة في الأحكام الربانية .. حين غفر المولى سبحانة و تعالى ( لبغـــــي ) لأنها ــ سقت كلبا ــ كاد يموت من شدة العطش ـــ غفر لها صاحب الرحمة العليم ببطائن النفوس و خبايا القلوب و السرائر .. لإنه إطلع على ما لم نحط به علما و هو البعد الخفي في تلك المرأة البغي .. حين حكم بما يعلم من أمرها من شقيِّ المعادلة الإنسانية بين المعاناة و القدرة على الإحتمال ــ فحكم سبحانه بما شاء .. و هو أحكم الحاكمين سبحانه ..
في القرآن الكريم آية رائعة .. طالما تأملتها و استوقفتني بعمق ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) سبحان الله .. جاءت النفس بصيغة التفرد و جاءت السعة بصيغة التفرد لأنها سعة مختلفة القدر بين نفوس البشر لا يعلم مقدارها إلا الخالق العظيم .. فما تحتمله أنت و تطيقه .. قد لا أطيقه انا .. و من هنا جاء تسليم دفة الأحكام للباريء العليم الحكيم ... العدل ..
و الموقف الآخر حينما إحتاجت إمرأة لمبلغ من المال و كانت تعاني ضيقا شديدا و هي في أمس الحاجة إلى ذلك المال و إذ يتنكر لها الناس لا تجد مفرا من اللجوء لذلك الرجل ( البغيض ) و الذى عرف بسوء سلوكه و قله تقواه و علاقاته المشينة .. فذهبت إليه صاغرة ذليلة ليوافق أن يمنحها المال في مقابل أن تمنحه هي .. و هي من هي المرأة الفضيلة الطاهرة ــ يشترط عليها أن تتنازل له عن ( شرفها ) مقابل المال .. فتبكي المرأة و تستعطف رجلا ( لا يعرف الرحمة ) و هو يصر على شرطة الجائر الفظيع ــ و ترضخ المرأة تحت وطأة الحاجة .. و تأتي لحظة اللقاء المرتقب .. فترتعد أوصالها و تبكي و تستحلفه بالله بمقولتها الشهيرة ( إتق الله و لا تفض الخاتم إلا بحقه ) .. فينزوي عنها الرجل ( الجبار ) في لحظة هي أعظم لحظات حياته و يقرضها المال و يطلق سراحها طاهرة عفيفة .. ثم يجدونه في صبيحة اليوم التالي مسجى على الأرض و قد فارق الحياة بينما حفرت على باب غرفته حروفا مضيئة تقول ( لقد غفرت لعبدي ) ... غفرت ؟؟ ... لعبدي .. ؟؟ .. بعد كل تلك الأهوال و الفضائح و الذنوب العاتية .. فأي خير دفين كان في قلبك أيها الرجل .. سبحانك يا من تعلم و لا نعلم .. و تدرك و لا ندرك .. و أنت العظيم الحليم ...
و على صعيد آخر أكثر إدهاشا و عجبا .. نرى قصة ذلك الشاب الصالح .. الذى قضى حياته بين دور العبادة و كان مؤذنا يعلو صوته بالحق فوق المنابر ... فإذاه يلتقي بجارته ( النصرانية ) التي تملك عليه لبه و كيانه .. فيسقط بلا توان ... و ينهار أمام إغراءاتها الشديدة الفتنة .. حتى يأتيها ذليلا خاضعا منكسرا فتشترط عليه ان ( يتنصـــر ) أولا حتى ترضى له و تطيب .. و إذ يرتد الفتى ... صاحب المنبر عن دينه يأتي في نفس اللحظة ملك الموت ليقبض روحه ليلقى ربه ( كافرا ) بعد عمر قضاه فوق المنابر ... فاي دنس كان في نفسك أيها الرجل .. أي دنس خفي ... ؟!! ...
التجــربة .. المحنة .. و الإبتلاء .. هم المحك الرئيسي للحكم على البشر ... لتقييم عمق و مصداقية الأخلاق ..و تبقى أبعادا أخري لا زالت خافيه لا يدركها غيره سبحانه ( من يعلم السر و أخفى ) ... و القائل في كتابه الكريم ( لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم .. و لا نساء من نساء . عسى أن يكن خيرا منهن ) ..و صدق الرسول الكريم حين قارن بين رجلين تبرع أحدهما بدرهم لوجه الله و تبرع الاخر بمبالغ طائلة لوجه الله فإذاه المصطفى الكريم يرجح معروف صاحب الدرهم عن صاحب العطايا الكبيرة لكونه الرجل كان ( لا يمتلك ) من دنياه سوى ذلك الدرهم فهو بالقياس ( تبرع بكل ما يملك ) لوجه الله .. بينما تبرع الآخر .. بجزء من ماله ...
و نرى الإمام الجليل ( الغزالي ) في مقارنته بين فضل الصبر على المحن و الشكر على النعمة في كتابه العظيم ( إحياء علوم الدين) فيخبرنا بأن الشكر على النعمة يتعدى في معروفه و فضله الصبر على البلاء .. لأن الشاكر ( فاعل بإرادته ) طائع بمحبته .. و ربما كان صبر المبتلى صبرا قهريا لا حيله له فيه و لا إراده ..
اللهم فاخلص النوايا و أرحمنا و أرزقنا فضيلة ( الصـــدق ) يا أرحم الراحمين ..
قيم هذا المقال



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك