د. زين عبد الهادي يكتب : هو انا كبرت ولا لسه عيل؟
عيل..
من أرق المصطلحات وأطيبها التي تملأ حياتي،.... عليك أن تكون طفلاً دائما، لماذا؟... لأن الطفل لايفقد أبدا قدرته على الدهشة، الدهشة من كل شئ، عليك أن تكون عيل وانت بتتصرف مع أصدقائك، وعليك أن تكون عيل مع اخواتك وأمك وأبوك، وحتى مع أولادك، فلايمكن أن تدرك سر شقاوتهم إن لم تعد بنفسك لزمن المعيلة، عليك أن تصرخ من الفرح، وأن تبكي في سلاسة قرد يتشعلق على فرع شجرة، وأن تتشعلق في كل الأشياء التي تجعلك بهلوان سيرك حقيقي!
المعيلة ليست دائماً لفظاً قبيحاً، بل هي أحد أسرار الحياة الدفينة، تمكنك من الأستمرار في الحياة والتعامل معها بسهولة ويسر، عليك أن تكون لماحاً قدر الإمكان، عليك أن تستعيد ذاكرتك البسيطة في مفرداتها وفي تكوينها، المعيلة وحبي لها هي التي جعلتني مثلا أكتب "دماء أبوللو" بهذا التوهج الطفولي وهي التي تجعلني أكتب الآن جزءها الثاني بنفس الحالة من الطفولة، لايمكنني أبداً أن أكبر، لأني لو شعرت بوطأة السن فسأتخاذل ولن أمضي قيد أنملة في مشروعاتي في الكتابة الروائية!
يهتم الكثيرون بقدرتهم على النضج وينسون دائما أنهم بذلك ينسفون الطفل القابع في داخلهم، هذا الطفل الذي يظهر غالبا فقط في لحظات الإنفعال،الإنفعال صفة طفولية بحتة، تجعلك تجعر بعلو صوتك، فلا ترى ماأنت مقدم عليه!
كن طفلا تكسب كل يوم عمراً جديداً، لاتلتفت لما مر بك من زمن، فالزمن يجب أن يظل حبيساً في قفص القرود، أطلق قردك من سلسلته لتفهم العالم كما يفهمه الطفل!
تذكر قدرتك على الحب وأنت طفل، تحب دون أن تسأل لماذا أنا أحب؟ تحب وكفى، تحب لأنك ترى العالم كله طيباً، طيباً بلا حدود للطيبة، تحب دون توتر، كطبيعة تلك العلاقات التي تخوضها الآن وتظن أنك وصلت للنضوج الكامل، في ظني أنك كلما عدت بنفسك إلى الوراء ، إلى زمن المعيلة، كلما أصبحت أفضل، وكلما أيضاً ابتعدت عن كوكب قرود الكبار، وكلما أيضاً ما اندفعت أحلامك إلى الأمام، فتحقيق الأحلام يأتي من قدرتك على مط الزمن، وليس تقليصه، ولذلك عليك دائما وعليكي أن تحققا أحلاما كثيرة، ولا تصمت أما حلم لم يتحقق، فدائماً لك القدرة على تحقيق أحلام جديدة، فأحلام طفولتك لم تتعدى كثيراً مصاصة أو مرجيحة أو بنطلون جديد أو فستان جديد أو حتى قطعة شيكولاته، أليست هي تلك أحلام الطفولة، ألم تكن تتحقق، تكبر الأحلام نعم، لكن لاتكبر أنت، لأنك لو كبرت ستشعر أحيانا بالعجز، الطفولة تمنحك القدرة على تخطي هذا العجز، فأحلامك مهما كانت كبيرة بالنسبة لك،فهي صغيرة للغاية أمام العالم، بسيطة، بسيطة للغاية، يمكن تحقيقها دائما في ظل اخلاص عصامي لها!.
حين اضطررت للعمل في عام 1967 وكان أبي قد اختفى لبضع الوقت بسبب ظروف الحرب اضطررت للعمل فجأة، كان لابد لي وأنا في العاشرة أن أطعم ستة أفواه، ستة أفواه صغيرة للغاية، كنت أسير حوالي خمسة كيلو متر كل صباح لأعود في المساء بإثني عشرة رغيفا من الخبز وقطعة جبن، حين اضطررت لذلك انتابني الخوف، خوف الأطفال، لكن هذا الخوف لم يصمد أمامي طويلاً، كنت قد تعلمت أن قدرتي لايمكن أن أحددها دون أن أخوض المعركة معها، كنت أسير في الشارع في الصباح وأنا أتشعلق في سيارة أو حنطور من الخلف، فألقي بتحية الصباح على بائع الفول، وأن ألقي بسباب واضح لخاطف الأطفال البرئ الذي لم يخطف طفلا يوما، لكننا كنا نسميه خاطف الأطفال لأنه دائم السباب لنا عمال على بطال، وكنت حين أصل أنغمس في العمل حتى لاأشعر بالوقت، الأرغفة التي حلمت بها كانت تجد طريقها إلى يدي في المساء ومعها بضعة قروش إضافية، إذن كانت قدرتي تنمو وتزداد، ولم يكن لها حجم معين يمكنني أن أضع لها حدودا!
أحلام العيال لم يكن لها إذن حدود، حلمت بجنية البحر، وكنت أتخيلها دائما وأنا جالس بجانب جدي في فلوكته في البحر، أحدق في الماء، إلى أن كان هذا اليوم الذي قابلتها فيه، ربما كان حلماً، ولم يكن حقيقة، لكني كنت متأكداً من أنه حقيقة، ربما يكون خيالي قد صنعها، لست متأكدا من ذلك، لكن حوارا طويلا تم معها وأنا جالس على حافة الفلوكة وجدي في الماء بعيداً، كانت جميلة للغاية، ورحلت بعد ذلك لتستقر في ذاكرتي عباراتها، التي ستقرأونها قريبا، كنت إذن أقابل أحلامي، وأحققها في خيالي، الخيال هو عمود الطفولة الخرساني، فلا تتخلوا عنه!
لو كنت أشعر دائماً بأني أستاذ جامعة، لما تحركت خطوة للأمام، أتذكر دائما تلك المشاجرات الطفولية، وأتذكر تلك الخيزرانة التي كان أبي يعلقها على الباب كغشارة واضحة على ان الأحلام التي يراها الكبار خطيرة سيكون مصير تحقيقها هذه الخيرزانة، أتذكر هذا الولد الذي كان حجمه يقترب من حجم فيل صغير، وأتذكر أيضاً أنني أفلت من كثير من المشاجرات، وأنني تحايلت كثيرا على تلك الخيزرانة ذات الصوت الرهيب، وأتذكر أيضا أنني ذات يوم صرعت هذا الفيل الصغير رغم أنني كنت بالفعل أقترب من ركبته طولاً، كلما تذكرت ذلك أدركت أن قدرتي لم يكن لها حدود، فكيف أضع حدودا لقدرتي وأنا كبير، يجب أن أظل طفلاً حتى أتمتع بقدرتي التي لا أعرف حدودها النهائية، يجب إذن أن أظل عيلاً بلا أي حدود للمعيلة، وأقول لنفسي دائماً، انت لسه عيل، ولا إيه رأيكم؟



del.icio.us
Digg
التعليقات (15 تعليقات سابقة):
مش عارفه أقولك ايه
حتى وانت بتكتب عن العيال دمك خفيف، وانت في المحاضرة دمك خفيف، وانا مستنيه الجزء التاني من دماء أبوللو بس والنبي دمك يبقى خفيف زي الجزء الأول
لأن كلمة عيل عندنا لها معانى كتير وحشة
يعنى العيل اللى بيرجع فى كلامه
والعيل اللى بيعتمد على غيره
يا ريت بس ما حدش يفهم غلط :)
عموما . . الحنين للطفولة هو أهم علامات النضج
وممارسة الطفولة . . هى أبسط طرق الإبداع
تحياتى لك وللطفل المبدع بداخلك
فعلا يا دكتور، .زي الأغنيه المشهورة ما بتقول "لو بطلنا نحلم نموت" في ناس كتير لو فكرت تكبر وتتخلى عن طفولتها تموت... لان حياتها كلها مبنيه على اساس الطفل اللي عايش جواها لو كبر يبقى كل شيئ انتهى..
ماأن تجاوزت مرحلة اللعب والمرح، ومررت بصعوبة من مرحلة أخرى حيث لايعترف بك الصغار ولا الكبار معاً خلال مايسمى بمرحلة المراهقة،وجدت السؤال المزعج يلح علي ليلاً بنهار: هل من الصواب ان أظل طفلةً ؟.
هل من الصواب أن أتصرف وأفكر وأحيا على أساس طفولة وبراءة قابعة بداخلي؟.
ربما صعب أن يحتفظ المرء بطفولته بعيداً ،أن يبقيها بعيداً عن جميع الملوثات العصرية والأمور اليومية التي تخدش البراءة وتحول الانسان لثور هائج غير مراع.
أحب طفولتي فموهبتي أدبية أيضاً وأحس بالجفاء أو الفقر من دون طفلتي الصغيرة بداخلي.
كيف سأمر على صغير أو صغيرة وألقي التحية
إن لم أكون مثلهما!!
فعالم الكبار عالم مخيف، ملؤه القسوة واللامبالاة.
بات الأمر-بيني وبينكم- مثل هاجس أو كابوس
غريب!!
هل تماديت كثيراً؟
ربما رعبني الحقيقي هو من أن أعترف لنفسي
بأني كبرت فعلاً؟
لأنه ماأن أفعل، ماأن أعترف
واثقة من التالي..
سوف أتحول لعجوز وعمري الفعلي لايكاد يتجاوز الثمانية والعشرين!!
لقد عجزت،باللهجة المصرية. وشرفت بلهجتنا المغربية.
ربما احساسي وتمسكي الادبي -العاطفي والعقلي
بطفولتي هو مايبقيني آمنة من احساسي الثاني .
لكن هل ساواجه خوفي قريباً أو يوماً!!
الحق أنه لامفر من التعرض للتجربة،
بعدما تتخلص مني المرحلة نفسها.
الطفولة برضه فلسفه للحياة
بس تفتكر رأي الناي مهم
ولا مانبصش ليهم
شكرا
هههههههههههههه
انت طفلا صغير بقلب كحبات اللؤلؤ ، معك ايها الطفل الصغير البرىء نري العالم بحب نحيي بحب ، نعشق الطموحات ، نستنشق طيبة نراك دائما في كل شىء نصنعه طفلا بيد تحتضن من يحب بكفيه الصغيرتين يحقق الكثير بهما نعلو وبهما نحقق الكثير
اليك ايها الطفل الصغير البرىء
اليك يا اجمل طفل صغير اجمل من جميع الاطفال واجمل من حبات الشيكولاتة
ريهام " همسه"
أضف تعليقك