محمود عبد الوهاب يكتب : الواد ابراهيم
بالأمس قابلت "الواد" ابراهيم مصادفة فى "المهندسين". ولا أقصد طبعا ب"الواد" إنه شخص صغير فى السن. فابراهيم رجل تعدى الأربعين مثلى تماما. ولكن ماذا يفعل المرء فى احساسه الباطنى بأنه ما زال صغيرا وأصحابه أيضا كذلك؟
ليس هذا ما أريد أن أقوله على أى حال.
الفكرة هى أننى بينما كنت أعبر شارع سوريا المزدحم دوما بالسيارات خاصة فى المساء، لاحت منى نظرة إلى قائد السيارة التى أعبر من أمامها فوجدته ابراهيم.
وإبراهيم كان زميلى منذ أن عملت لأول مرة فى الفندق الكبير. كان هذا منذ أكثر من عشرين عاما. وكنا قد تزاملنا لمدة خمس سنوات حتى غادر هو الفندق متجها إلى أمريكا. عمل فى أحد الفنادق هناك وترقى إلى أن أصبح مساعد مدير.
كانت أخباره تصل إلينا عن طريق بعض الأصدقاء الذين يراسلونه. وكنت متأكدا من أن كثيرا من الزملاء يحسدونه على تفوقه. أما أنا فكنت أرى أن لكل شىء ثمنا. وأنا لا أستطيع أن أدفع ثمن غربتى عن الوطن.
ومرت سنوات كثيرة ثم علمنا أن ابراهيم قد عاد إلى مصر وأنه ترك مجال العمل فى الفنادق وبدأ يعمل فى المبيعات. لكن الشىء الذى لا أستطيع الجزم به ما إذا كنت قابلته عندما عاد أم أننى فقط سمعت أخباره تلك من آخرين. ربما أكون قابلته صدفة فى أحد الأماكن؟ فكرت كثيرا فى هذا الموضوع لكى لم أستطع أبدا أن أتذكر.
ومن المحتمل جدا أن أكون قد سمعت أخباره من شلة الفندق القديمة التى أراها ربما مرة فى العام. تجتمع الشلة عادة فى الصيف عندما يعود المهاجرون إلى دول الخليج فى إجازة.
أما الأمر المؤكد، سواء قابلته أم سمعت فقط أخباره، أن هذا تم منذ حوالى عشر سنوات.
لكن فلأكن صريحا: أنا غير متأكد حتى من الرقم.
المهم أننى كنت أعبر والسيارات واقفة عندما لمحته فتفرست فى ملامحه أكثر لأتأكد أنه هو، وعندما وجدت عينيه مثبتتان نحوى تأكدت، فلففت حول السيارة وانحنيت مستندا بذراعى على حافة باب السيارة الأيمن وصحت فيه سعيدا بلقائه:
- هيما
أشار باصبعه نحوى وهو يهزه ضاحكا كأنه يتوعد، ثم لم يقل شيئا فقلت له:
- إيه ياعم إنت مش فاكرنى واللا ايه؟
- إزاى ياعم انت. فين أيام الهيلتون والنايت كلوب. أنا بس مش فاكر الاسم قوى. هانى..مش كده؟
ولما لم يكن هذا اسمى فقد صحت فيه برفق وقد نما بداخلى شعور بأن المحبة ربما لم تكن متبادلة بنفس القدر:
- إيه ده؟ نسيت حسن؟ نسيت أبو على؟ واللا كبرت واللا ايه؟ تخونك الفسح اللى فسحتهالك.
كانت تدهشنى الابتسامة المرتسمة على وجهه. كان بها شىء غريب. ابراهيم كان يجب أن يكون أكثر خجلا من نسيان اسمى، فقد كنا قريبين جدا من بعضنا فى الفندق، وحتى ساعة الخروج واللهو كنا متلازمين.
لم يمنعنى ذلك من التسامح مع الحياة على كل حال. التسامح مع البشر. وقلت فى نفسى: يحدث هذا مع كل الناس. وقررت أن آخذ رقم موبايله.
- إدينى موبايلك لازم نتقابل.
وافقنى بحماس كأنه يعتذر بطرق غير مباشر، لكن ما إن بدأ فى ذكر الرقم حتى أسجله فى تليفونى حتى بدأت السيارات فى التحرك فتصرف هو سريعا بذكاء وأخرج كارته الشخصى من جيب جاكتته الصغير وأعطاه لى قائلا:
- فيه كل حاجة. كلمنى نتقابل.
- أوكى
وبينما ابتعد ابراهيم بسيارته وضعت الكارت فى جيب قميصى وبدأت فى استكمال جولتى بشوارع المهندسين والتى كان الهدف الوحيد منها تحريك الجسم والتسريه عن النفس بمشاهدة المحلات والبشر.
وفى القهوة البلدى فى أحد الشوارع الجانبية قررت أن أرتاح قليلا مع كوب شاى فجلست وطلبت مشروبى، وأخرجت الكارت لأضعه فى محفظتى كيلا يضيع ونظرت فيه لأتأكد من مهنته. كانت مدير مبيعات كما كنت أعلم، أما الاسم فقد كان أشرف وليس ابراهيم.



del.icio.us
Digg
التعليقات (3 تعليقات سابقة):
هو ده اللي خرجت بيه من قصتك الجميلة.
تسلم ايدك يا فنان...
نعم
خديعة
بجد انا تخيلت انه دي تفاصيل حقيقية مثلا وحتى لو حقيقية كنت قربت اكره ابراهيم علشانك
لكن طلع انه ابراهيم وهاني اتنين بيحبوا بعض قوي
أضف تعليقك