مطلوب تحليل دموع
رداً على خاطرة بعنوان "كتاب على دمعه" للمبدعة غادة السمان
كثيراً ما كنت أحاول أن أجد مكاناً أمناً لألقي به كل أفكاري، أحزاني وبعضاً من أشعاري...بحثت مراراً وتكراراً، ولكني لم أجد ذاك المكان الخفي والعصي على الجميع.
أصرخ كثيراً في كلِّ مساء... ولا يسمعني سوى قلبي المتجمد الذي هو أيضاً أصابه الضجر من كل الماضي الذي أحمل في داخلي... أسماءٌ ووجوهٌ وتواريخٌ وأحداث... منها ما أذكر ومنها الذي لم أعد حتى أريد أن أتذكر!
غادة، اسمحي لي أن أناديكِ باسمك بدون ألقاب أو ما شابه، لأننا على نفس المركب الهارب من الذكرى والمتجه نحو اللا حدود... أو بأقل تعبير، دعيني أقصَّ عليكِ بعضاً من واقعي الممزق.
قبل بضع أشهر، وعندما إشتدَّ علي المرض، لم أجد من يفهمني، أو حتى من يتفهمني في هذا الكون الواسع، فضاقت بي الدنيا بما رحبت، وتجمع السواد الموجود في العالم أجمع لينتصب أمام مقلتي اللتين لم تعودا تريان إلا جانب الناس المعتم...
فصرخت وناديت، وتعالى النداء عالياً أن: أريد كلَّ أوراق العالم، وكلَّ الأقلام، أريد كل حجارة الدنيا وكلَّ الفؤوس، أريد كل ما عرفته البشريه، كي أسجل لكم كلَّ تاريخٍ حفظت، وكلَّ وجهٍ رأيت، وكلَّ إنهياراتي، وجزءاً من إنتصاراتي... أريد أن أسجل لمن يأتي من بعدي كلَّ المفردات التي تجتاح كياني كإعصارٍ هادرٍ كاسرٍ لا يملك الرحمة ولا العطف... أريد أن أصرخ بأحرفٍ جديدة، بلغةٍ غريبة، بمعانٍ جِدُّ حزينة... أريد اليوم أن أنهي كل ما مضى، وأقتل كلَّ الحاضر... وأبدأ ببناء أساساتٍ جديدة، لمستقبلٍ علّهُ يكون سعيداً...
ولكن، غادة، ماذا كان الردُّ حسب إعتقادك؟؟؟
بالطبع، كان الردُّ على هذا كله، هو صدى صوتي المتهالك، على حائط الصبر الذي عاف اسمه!
كلُّ الأطباء، لم يجدوا لي حلاً واحداً يشفيني من عذابي، ويقتل في داخل الماضي الذي أقضَّ مضجعي... كلهم كانت السنتهم تنعقد عندما يباشروا قراءة التحاليل، ومتابعة الحالة الغريبة تلك...
قلت لهم في النهاية، وعندما تملكني العجز، أريد منكم طلباً واحداً فقط: أعطوني شيئاً يجعلني أبكي وأبكي وأبكي، حتى تقرف الدمعات من عيوني وتغادرني للأبد... ضحكوا وقالوا: تريد أن تبكي، إذا افقد عزيزا...
قلت لهم، بصوتٍ إختنق من كل العبارات التي تحاول الخروج من حنجرتي... أنا لست بعدُ بطبيب، ولكني أعرف ما هو دوائي، ودوائي هو بكائي!
عندها إنفجرت بالبكاء... كانت عيناي كما سحب الشتاء... بكيت كل القهر والحزن والحرمان، بكيت كل الألام والاوجاع...
ينظرون إليَّ، وأنا ما زلت أبكي... ترقق الدمع في عيونهم، وما زلت أبكي، وكأني بدموعي ترسم لهم كل ما أردت أن أقول... كأني بالدموع أصبحت قلماً سحرياً ووجنتاي الصفحات، وهم من يشاهد ويقرأ...
شاهدوا كل الماضي، كل الذي كان... كل الكذبات التي اسميناها حباً، كل الوجوه التي عبرت محيط حياتنا، ورسّخت معالمها في ذاكرتنا... شاهدوني طفلاً باكيا، وشاباً باكياً، وكهلاً باكياً... شاهدوا موتي في نفسي... شاهدوا كل الخفايا، وكل شيءٍ ظاهر...
وعندما فارقت عيناي كل الدموع، قلت لهم: يا أعزائي، يجب أن تضيفوا على أول ورقة تحليل لديكم عبارة كهذه:
مطلوب تحليل دموع
قيم هذا المقال



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك