و عادت ورح سهم ــ 3 ــ
"الساعة قاربت الثالثة فجراً، وصلاح لم يأتي بعد، ولا يجيب على الهاتف!!... ما الذي جرى يا تُرى؟" قالت لنفسها وهي ترتعد خوفاً تحت الغطاء على سريرها الكبير في ذلك المنزل الموحش.
محاورةً نفسها: "آهٍ لو أنه بجنبي الأن، سهم، ذلك الغريب... ليشعل الدفئ في جسدي... وليشعرني بالحنان الذي افتقده، ويغمرني بحبه الجميل...".... " أتذكر كلمات أمي عندما قالت لي: إنَّ هذا الزواج لن ترتاحين فيه، هذا الزواج مجرد من كل معاني الحب... سوف تتعبين يا بُنَيّتي... ولكني تجاهلت كل عباراتها، وأخذتني الأضواء البراقة التي لاحت لي في البعيد... أضواء شهرة صلاح وأمواله... وها أنا ذا أدفع ثمن هذا كله، أياماً من الوحدة والعذاب... وصلاح! صلاح لا يكترث بوجودي حتى! همه الأول والأخير شركاته ومنصبه... آه عليها من حياة".
حاولت كثيراً النوم... ولكنَّ عيناها لم تستطيعان أن تخلدا إلى الراحة، فقد كانت صورة الرجل صاحب الرداء الأسود لا تفارق مخيلتها... أنفاسه كانت تداعب أذنها، همساته تقبل خدها المحمر خجلاً... كلها كانت تشتعل شوقاً من أجل أن تراه مرة أخرى.
بأعجوبةٍ ما، سافرت عيناها إلى عالم الأحلام، وتغلبت على الأرق... داخلةً بذلك إلى عالم النوم... نعم، نامت ليلى، وكلها أمل أن تنقضي الساعات بسرعة البرق، كي يأتي موعدها مع سهم...
في عصر اليوم التالي... إستيقضت ليلى على صوت جرس الهاتف... فنظرت حولها وإذا بالفراش فارغٌ إلا من وحدتها... فأيقنت أن صلاح لم يرجع ليلة البارحة إلى المنزل... ترجلت من على سريرها، وتقهقرت إلى الهاتف بخطى متكاسلة... رفعت السماعة...
- الو...
- صباح الخير، أو مساء الخير... لا أرعرف ماذا يقال في مثل هذا الوقت، وخاصة للذي يستيقضون متأخرين هكذا!
صمتت، وأخذت تنظر من النافذة... "أيعقل أن يكون يراقبني من مكانٍ؟!... كيف عرف أنني استيقضت الآن؟!...
- أجابت بخوف: من المتكلم؟
- ضحك وقال: لا داعي للتفكير كثيراً... يكفيني أن أسمع حرفاً واحداً منكِ لكي أعرف بماذا تفكرين، أو حتى ما هي أحوالك...
وتابع...
- اتصلت بكِ لأخبرك بأن موعدنا أصبح اليوم، بعد حوالي الساعة إلاَّ ربع... عن الجسر الكبير.... أرجو أن لا تتأخري... وداعاً.
- ألو... ألو... ألو!
أقفل الخط من جديد بدون أن تبدي أي رأيٍ لها... وكأنَّ صاحب الرداء الأسود يعلم بأنها يتحضر.
راحت تعدو في المنزل متخبطةً كأنها قطرة ماءٍ سالت على الصخور... وقالت لنفسها: "عليَّ أن أسرع، لا أريد أن أتأخر... فقد قال لي ذات مساء بأنه لا يحب مواعيد عرقوب!".
وفعلاً، في تمام الرابعة وخمسة وأربعين دقيقة، انتصبت ليلى عند منتصف الجسر الكبير، حيث كانت الريح تعصف في الأرجاء... وقد ابتلع الشتاء كل الناس، ولم يبقى منهم إلا القليل يهرول مسرعاً إلى بيته... إلاّ ليلى، كانت تقف كما غيمة تموز، وحيدة على الجسر الكبير تصارع هبات الرياح العاصفة...
فجأةً، سمعت صوت خطوات تقترب منها... نظرت خلفها وإذا هو يقف ملاصقاً لجسدها!... فتبعثرت عبارات خوفها في جسدها كأنها صعقةٌ كهربائية إجتاحت أحاسيسها... وقال لها:
- بالتأكيد، مللتِ الإنتظار وحيدة على جسر الكبير هذا!
- قالت والكلمات تتلعثم على شفتيها: لا.. لا.. لقد كنت أستمع لسمفونية الرياح وهي تعصف بصفائح الحديد تلك!
- أجاب: سمفونية الرياح؟!... شيءٌ جميل!... وهل تستطيعين ترجمتها لأشاركِ الإنصات لها؟!، وطوقها بيديه!
فما كان منها إلا أن ألقت برأسها على كتفه... وأغمضت عيناها... وقالت:
- إنها تقول بأنَّ الحب يبحر في أجسادنا دون رحمة...
- فقاطع كلماتها، وإستند إلى دعامة الحديد تلك، وقال: أنتِ التي تبحرين في محيط الذكرى ذاك... ولست تعلمين إلى أين يقودك المركب... إحذرِ الرياح، فبمقدورها أن تقلب المركب رأساً على عقب!.
كان في ابتعاده عنها قد مزّق فيها شيئاً غريباً... وأصبحت تنظر بتلبكٍ إلى كلٍّ شيءٍ يحيط بها، وكأني بها تريد أن تنفجر قهراً منه... وقالت له بصوتٍ كله ثقة: أنا أجيد السباحة جيداً... ولا أخشى الغرق في محيطات الحب كلها!
ضحك من جديد، وأمسك بسيجارة جديدة... وهو يحاول أن يشعلها في خضم العصف الذي يحيطه، قال: إنَّ الأمل الذي تعيشين فيه، ما هو إلاَّ لهيب هذه (الولاعة) التي تنطفئ كلما حاولت أن تشتعل في وسط هذه الأعاصير... أنتِ شعلةٌ كبيرةٌ جداً جداً... ولكنَّ الشعلة لا تهاب الماء كثيراً جداً جداً... لا تحاولي أن تقتلي لهيبك بمياه الحب الغادرة...
لم تستطع أن ترده بكلمة واحدة... وتابعت صمتها مبهورةً بكل ما تسمع.
قال لها: أتذكرين فاطمة؟! أتذكرين عندما قالت لك إنَّ الحياة ليست مجرد أضواء نركض خلفها... أو نقودٍ نستعبدٍ من أجلها... الحياة هي حرفين بسيطين في الشكل، عميقين بالمضمون؟!!!
أجابته بسرعة: هل تعرف أمي؟ كيف؟
قال لها: سمعت عنها الكثير... وسررت لما سمعت!
وصمت الإثنان.... ينظر كلٌّ منها إلى الأخر... تحاول أن تتكهن بحركته المقبلة... ويحاول هو أن يشعل النيران فيها من جديد... ولقد نجح!
إقترب منها وأمسك بكتفها بقوة... وشدها إليه، وهمس بأذنها برقة... إن لم تكوني قادرة على تنفيذ الوعود، فلا توعدي أحدهم بشيء... قال هذا وشفتيه تلامس اذنها، وهي بدورها تصارع وحش الرغبة من جديد مغلقةً عيناها ومبحرةً في بحر أحاسيسها اللامنتهي!
وفجأة، إبتعد دفئ أنفاسه عنها، وبدأت الريح تعصف فيها من جديد... وراح يمشي بخطواتٍ متسارعة، مبتعداً عن مكان وجودها... تاركاً إياها في حوارٍ شديد اللهجة مع نفسها...
هو رجلٌ تنتهي لحظات وجوده بسرعةٍ كبيرة، كأنها لم تبدأ بعد،
هو الريح التي تعصف في أركان جسدها كلما نطق بحرفٍ واحد...
هو قيصرٌ في إشعال النيران... وجبانٌ في إطفائها...
هو صاحب الرداء الأسود ...
محاورةً نفسها: "آهٍ لو أنه بجنبي الأن، سهم، ذلك الغريب... ليشعل الدفئ في جسدي... وليشعرني بالحنان الذي افتقده، ويغمرني بحبه الجميل...".... " أتذكر كلمات أمي عندما قالت لي: إنَّ هذا الزواج لن ترتاحين فيه، هذا الزواج مجرد من كل معاني الحب... سوف تتعبين يا بُنَيّتي... ولكني تجاهلت كل عباراتها، وأخذتني الأضواء البراقة التي لاحت لي في البعيد... أضواء شهرة صلاح وأمواله... وها أنا ذا أدفع ثمن هذا كله، أياماً من الوحدة والعذاب... وصلاح! صلاح لا يكترث بوجودي حتى! همه الأول والأخير شركاته ومنصبه... آه عليها من حياة".
حاولت كثيراً النوم... ولكنَّ عيناها لم تستطيعان أن تخلدا إلى الراحة، فقد كانت صورة الرجل صاحب الرداء الأسود لا تفارق مخيلتها... أنفاسه كانت تداعب أذنها، همساته تقبل خدها المحمر خجلاً... كلها كانت تشتعل شوقاً من أجل أن تراه مرة أخرى.
بأعجوبةٍ ما، سافرت عيناها إلى عالم الأحلام، وتغلبت على الأرق... داخلةً بذلك إلى عالم النوم... نعم، نامت ليلى، وكلها أمل أن تنقضي الساعات بسرعة البرق، كي يأتي موعدها مع سهم...
في عصر اليوم التالي... إستيقضت ليلى على صوت جرس الهاتف... فنظرت حولها وإذا بالفراش فارغٌ إلا من وحدتها... فأيقنت أن صلاح لم يرجع ليلة البارحة إلى المنزل... ترجلت من على سريرها، وتقهقرت إلى الهاتف بخطى متكاسلة... رفعت السماعة...
- الو...
- صباح الخير، أو مساء الخير... لا أرعرف ماذا يقال في مثل هذا الوقت، وخاصة للذي يستيقضون متأخرين هكذا!
صمتت، وأخذت تنظر من النافذة... "أيعقل أن يكون يراقبني من مكانٍ؟!... كيف عرف أنني استيقضت الآن؟!...
- أجابت بخوف: من المتكلم؟
- ضحك وقال: لا داعي للتفكير كثيراً... يكفيني أن أسمع حرفاً واحداً منكِ لكي أعرف بماذا تفكرين، أو حتى ما هي أحوالك...
وتابع...
- اتصلت بكِ لأخبرك بأن موعدنا أصبح اليوم، بعد حوالي الساعة إلاَّ ربع... عن الجسر الكبير.... أرجو أن لا تتأخري... وداعاً.
- ألو... ألو... ألو!
أقفل الخط من جديد بدون أن تبدي أي رأيٍ لها... وكأنَّ صاحب الرداء الأسود يعلم بأنها يتحضر.
راحت تعدو في المنزل متخبطةً كأنها قطرة ماءٍ سالت على الصخور... وقالت لنفسها: "عليَّ أن أسرع، لا أريد أن أتأخر... فقد قال لي ذات مساء بأنه لا يحب مواعيد عرقوب!".
وفعلاً، في تمام الرابعة وخمسة وأربعين دقيقة، انتصبت ليلى عند منتصف الجسر الكبير، حيث كانت الريح تعصف في الأرجاء... وقد ابتلع الشتاء كل الناس، ولم يبقى منهم إلا القليل يهرول مسرعاً إلى بيته... إلاّ ليلى، كانت تقف كما غيمة تموز، وحيدة على الجسر الكبير تصارع هبات الرياح العاصفة...
فجأةً، سمعت صوت خطوات تقترب منها... نظرت خلفها وإذا هو يقف ملاصقاً لجسدها!... فتبعثرت عبارات خوفها في جسدها كأنها صعقةٌ كهربائية إجتاحت أحاسيسها... وقال لها:
- بالتأكيد، مللتِ الإنتظار وحيدة على جسر الكبير هذا!
- قالت والكلمات تتلعثم على شفتيها: لا.. لا.. لقد كنت أستمع لسمفونية الرياح وهي تعصف بصفائح الحديد تلك!
- أجاب: سمفونية الرياح؟!... شيءٌ جميل!... وهل تستطيعين ترجمتها لأشاركِ الإنصات لها؟!، وطوقها بيديه!
فما كان منها إلا أن ألقت برأسها على كتفه... وأغمضت عيناها... وقالت:
- إنها تقول بأنَّ الحب يبحر في أجسادنا دون رحمة...
- فقاطع كلماتها، وإستند إلى دعامة الحديد تلك، وقال: أنتِ التي تبحرين في محيط الذكرى ذاك... ولست تعلمين إلى أين يقودك المركب... إحذرِ الرياح، فبمقدورها أن تقلب المركب رأساً على عقب!.
كان في ابتعاده عنها قد مزّق فيها شيئاً غريباً... وأصبحت تنظر بتلبكٍ إلى كلٍّ شيءٍ يحيط بها، وكأني بها تريد أن تنفجر قهراً منه... وقالت له بصوتٍ كله ثقة: أنا أجيد السباحة جيداً... ولا أخشى الغرق في محيطات الحب كلها!
ضحك من جديد، وأمسك بسيجارة جديدة... وهو يحاول أن يشعلها في خضم العصف الذي يحيطه، قال: إنَّ الأمل الذي تعيشين فيه، ما هو إلاَّ لهيب هذه (الولاعة) التي تنطفئ كلما حاولت أن تشتعل في وسط هذه الأعاصير... أنتِ شعلةٌ كبيرةٌ جداً جداً... ولكنَّ الشعلة لا تهاب الماء كثيراً جداً جداً... لا تحاولي أن تقتلي لهيبك بمياه الحب الغادرة...
لم تستطع أن ترده بكلمة واحدة... وتابعت صمتها مبهورةً بكل ما تسمع.
قال لها: أتذكرين فاطمة؟! أتذكرين عندما قالت لك إنَّ الحياة ليست مجرد أضواء نركض خلفها... أو نقودٍ نستعبدٍ من أجلها... الحياة هي حرفين بسيطين في الشكل، عميقين بالمضمون؟!!!
أجابته بسرعة: هل تعرف أمي؟ كيف؟
قال لها: سمعت عنها الكثير... وسررت لما سمعت!
وصمت الإثنان.... ينظر كلٌّ منها إلى الأخر... تحاول أن تتكهن بحركته المقبلة... ويحاول هو أن يشعل النيران فيها من جديد... ولقد نجح!
إقترب منها وأمسك بكتفها بقوة... وشدها إليه، وهمس بأذنها برقة... إن لم تكوني قادرة على تنفيذ الوعود، فلا توعدي أحدهم بشيء... قال هذا وشفتيه تلامس اذنها، وهي بدورها تصارع وحش الرغبة من جديد مغلقةً عيناها ومبحرةً في بحر أحاسيسها اللامنتهي!
وفجأة، إبتعد دفئ أنفاسه عنها، وبدأت الريح تعصف فيها من جديد... وراح يمشي بخطواتٍ متسارعة، مبتعداً عن مكان وجودها... تاركاً إياها في حوارٍ شديد اللهجة مع نفسها...
هو رجلٌ تنتهي لحظات وجوده بسرعةٍ كبيرة، كأنها لم تبدأ بعد،
هو الريح التي تعصف في أركان جسدها كلما نطق بحرفٍ واحد...
هو قيصرٌ في إشعال النيران... وجبانٌ في إطفائها...
هو صاحب الرداء الأسود ...
قيم هذا المقال



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك