عــــادت .. روح ســـهم ــ 2 ــ
نظرت إليه وهو يخرج من المقهى... كانت الكلمات تحاول أن تخرج من فاها، ولكن، دونما فائدة... وكأنها تخدّرت بعباراته الأخيرة!
جلست متصنمةً في مكانها لبضع دقائق، دونما حركةٍ واحدة...
وفجأةً، سمعة صوت النادل يقول: "سيدتي، هل أنتِ على ما يرام؟"، نظرت إليه... وقالت: "نعم، بالتأكيد..."، ووضع أمامها ورقة الحساب، وذهب... نظرت إلى الورقة، ضحكت، وقالت لنفسها: "يا لك من شخصٍ غريب الأطوار، تدعوني إلى المقهى، ولا تدفع الحساب...!"...
اتجهت بعد ذلك إلى الهاتف، واتصلت بأحدهم:
- ألو... كيف حالك يا عمي أبا محمد؟
- مَن، السيدة ليلى؟! أهلاً بكِ... الحمد لله، أنا بخير.
- اتصلت لأخبرك بأنه لا داعي لقدومك بالسيارة... أنا سأذهب بسيارة أجرى للمنزل!
- حسناً، كما تريدين...
- إلى اللقاء.
- إلى اللقاء.
دفعت الحساب، وارتد معطفها الناعم، وخرجت.
وقفت على طرف الشارع، ونظرت إلى الناس من حولها، وقالت لنفسها: "لِمَ لا تخرجين في نزهةٍ قصيرة، تجولين بها شوارع المدينة، التي اشتاقت لوقع حذائك... فأنتِ لم تخرجين منذ فترة طويلة... وبالطبع، إن الروتين الذي لدى زوجك قاتل... فهو يخشى كلَّ شيء، ولا يخرج إلا والحرس من حوله كما المطر... نصف ساعة لن تأثر كثيراً بما انه في إجتماعه الليلي المعتاد في الشركة..."
وبالفعل، راحت تتجول في أرجاء المدينة، وتقف عند ذاك المتجر تارة، وتنظر إلى المارةِ تارةً أخرى... وبينما هي تمشي في أحد الشوارع، وفجأة، سمعت صوت إطلاقِ عيارٍ ناري، تبعه صراخ وتدافعٌ للناس من كلِّ مكان...
لم تعرف ماذا عليها أن تفعل! بدأت تركض عكس الأخرين، إلى أن وصلت إلى مكانٍ يوجد فيه رجلٌ كبيرٌ في السن، مستلقٍ على الأرض، والدماء من حوله...
تصنمت، ووضعت يدها على فمها، وصرخت: "ساعدوه.... ساعدوه... ساعدوه". ولكن، وكأن أحداً لم يسمع...
بنظرة خاطفةٍ منها للذين يركضون من حولها، لمحت صاحب الرداء الأسود، يركض والدم يقطر من يديه... كان ذلك عندما ابتلعه جمهور الهاربين...
برقت في عقلها عبارة صغيرة: "لقد قتل العجوز!!!"
سرعان ما جاءت سيارة الإسعاف، وطوق رجال الأمن المكان... وإذا بأحدهم يقتادها من ذراعها بعنف، إلى أن أوصلها إلى رجلٍ فارع الطول، عريض المنكبين، توسم بعشرات من الأوسمة!...
قال لها: "من أنتِ؟ ماذا تفعلين هنا؟"... ولكنها لم تنطق بكلمة واحدة، كانت ما تزال مصدومة، فهذه أول مرةٍ تشاهد فيها قتيلاً يغرق بدمه بأم أعينها!.
أشار ذلك الضابط للجندي، فبدأ الأخير بتفتيش حقيبة يدها... وأخرج منها جواز السفر الخاص بها... أخذه، فتح الصفحة الأولى، وبسرعة، قال لها: "عذراً سيدتي، أنتِ زوجة الدكتور صلاح عيسى! أعتذر بشده"... وقال للجندي: "إذهب من هنا!"... وإلتفت إليها من جديد، مخاطباً إياها: "أين سيارتك الخاصة، سيدتي؟ سأوصلك بنفسي إليها!...".
في نفسها قالت: "تباً لكم جميعا، فقط لأنني زوجة صلاح عيسى بدأت تعاملني بإحترام، وقبل قليل كنت تصرخ في وجهي..."، ثم قالت له بتردد: "...لم يأتي السائق بعد، كنت انتظره عن الزاوية، وسمعتُ صوت...."، مقاطعاً لكلماتها: "المدينة أصبحت خطرةً على الأشخاص المهمين، أمثالكم، سيدتي... سأمر أحدهم بأن يوصلك بسيارتي الخاصة إلى المنزل، مع بضعٍ من الجنود...!" وبالفعل أمر بذلك.
ركبت بالسيارة، وهي تنظر إلى العجوز وهم يضعونه على سرير سيارة الإسعاف، والدماء غطت ملابسه... وتبعها جنديين مدججين بالأسلحة!
وصل الرحال إلى بيتها البعيد عن ضوضاء المدينة، والتي لطالما عشقته!... فتحت الباب، ودخلت إلى المنزل، وصورة الرجل صاحب الرداء الأسود لم تفارق خيالها... فخاطبت نفسها: "أيعقل أن يكون هو من قتل ذلك العجوز؟! لماذا؟ إنه عجوز لا حول له ولا قوه؟ من يا ترى هو ذاك، صاحب الرداء الأسود؟؟!"...
توقفت فجأة، وبرقت في مخيلتها عبارة "هو نفس الشخص الذي كنت معه! طوله، معطفه، قبعته، كلها نفس الشيء..."!
في تلك الأثناء، قاطعت عبارات الخادمة أفكارها،
- وقالت: "سيدتي، لقد جاء شخص غريب، ووضع لكِ هذا المغلف!"...
- بسرعة أجابت: "هل صلاح في المنزل؟!"...
- الخادمة: "لا، لم يأتي الدكتور صلاح بعد..."
- أردفت: "ومن ذاك الشخص؟ ألم يقل لكِ اسمه؟ ألم يقل لكِ شيئاً؟"
- أجابت: "طلب مني أن أخبرك بأنه صاحب الرداء الأسود... نعم، هكذا قال: صاحب الرداء الأسود. وخرج بعدها!"
بسرعة اقتربت من الخادمة، واختطفت المغلف من يديها، وصعدت إلى غرفتها...
جلست على تختها الكبير، وقبل أن تفتح المغلف، قربته من أنفها وبدأت تتنشقه، وقالت بصوتٍ فرح: "نعم إنه هو... هذا هو عطره!"... وفتحت المغلف بشوق...
صعقت لما وجدته بالمغلف!... كان هناك ورقةً كتب عليها: "بالطبع، كالمعتاد، نسيت أن أدفع الحساب... سأتصل بكِ قريباً، انتظري!"، ووجدت خمسة عشر دولاراً...
ضحكت وألقت نفسها على السرير، وقالت: "لقد كان يراقبني، لقد شاهد حتى كم دفعت للنادل (بخشيش)... إنه فعلاً غريب الأطوار..." وفجأة انتفضت، واستندت، وفتحت الورقة من جديد: " سأتصل بكِ قريباً، انتظري!"... نظرت إلى الهاتف، وقالت لنفسها: "كيف سيتصل بي؟ من أين يعرف رقم هاتفي؟ ماذا لو كان صلاح في المنزل؟..."
وبينما كانت تفكر بهذا كله، رنَّ الهاتف!
"أيعقل أن يكون هو؟!" قالت لنفسها.
ركضت إلى الهاتف، التقطت السماعة، ولم تنطق بكلمةٍ واحدة...
- "ليلى، هل أنتِ على ما يرام؟ هل خرجتِ من المنزل اليوم؟"... قال صلاح!
تجمدت، وعقد لسانها، وإحمرَّ وجهها...
- "ألو... هل تسمعينني؟؟؟" تابع.
- "... ألو... أنا بخير... بخير... لم أخرج... لماذا؟ ما الذي حصل؟" أجابت بتردد
- "الحمد لله، قريباً سأكون في المنزل..." أجابها
وانقطع الاتصال!
أغلقت الخط، وسرعان ما رنَّ الهاتف مرةً أخرى... التقطت السماعة بسرعة، وقالت: "متى ستأتي يا صلاح؟"... سمعت صوت الضحكة الصفراء تلك، واجتاحت القشعريرة جسدها... ثم:
- "صلاح سيأتي قريباً، ولكن أحببت أن أقول لكِ بأنَّ رداءك كان جميلاً اليوم، وبعد غد سأراكِ عند الجسر الكبير، في تمام الخامسة مساءاً... وداعاً".
- "ألو... ألو... ألو" قالت ليلى. ولكن، كان قد أغلق الهاتف.
وقفت مذهولةً من الذي قاله... وفكرت: "رداءي جميل؟! ألم يمتلك من الشجاع الكافي لكي يقولها لي وجهاً لوجه؟!... هل هو يحبني؟... كعادته، يعطيني الموعد بدون سابق إنذار، وبدون أن يسألني هل سأقدر أن أذهب أم لا... كأنه يعلم بأنني سأفعل المستحيل لأحظى بدقيقةٍ واحدةٍ معه... حقاً إنك غريب الأطوار يا سهم!".
سهم،
هو القدر المجهول... يأتي بهدوءٍ تام، ويغادر كما الإعصار!
هو سحابة من الخوف... ترعد في جسدها المنهك، مشعلاً نيران الرغبة فيها من جديد بعدما خمدت !
جلست متصنمةً في مكانها لبضع دقائق، دونما حركةٍ واحدة...
وفجأةً، سمعة صوت النادل يقول: "سيدتي، هل أنتِ على ما يرام؟"، نظرت إليه... وقالت: "نعم، بالتأكيد..."، ووضع أمامها ورقة الحساب، وذهب... نظرت إلى الورقة، ضحكت، وقالت لنفسها: "يا لك من شخصٍ غريب الأطوار، تدعوني إلى المقهى، ولا تدفع الحساب...!"...
اتجهت بعد ذلك إلى الهاتف، واتصلت بأحدهم:
- ألو... كيف حالك يا عمي أبا محمد؟
- مَن، السيدة ليلى؟! أهلاً بكِ... الحمد لله، أنا بخير.
- اتصلت لأخبرك بأنه لا داعي لقدومك بالسيارة... أنا سأذهب بسيارة أجرى للمنزل!
- حسناً، كما تريدين...
- إلى اللقاء.
- إلى اللقاء.
دفعت الحساب، وارتد معطفها الناعم، وخرجت.
وقفت على طرف الشارع، ونظرت إلى الناس من حولها، وقالت لنفسها: "لِمَ لا تخرجين في نزهةٍ قصيرة، تجولين بها شوارع المدينة، التي اشتاقت لوقع حذائك... فأنتِ لم تخرجين منذ فترة طويلة... وبالطبع، إن الروتين الذي لدى زوجك قاتل... فهو يخشى كلَّ شيء، ولا يخرج إلا والحرس من حوله كما المطر... نصف ساعة لن تأثر كثيراً بما انه في إجتماعه الليلي المعتاد في الشركة..."
وبالفعل، راحت تتجول في أرجاء المدينة، وتقف عند ذاك المتجر تارة، وتنظر إلى المارةِ تارةً أخرى... وبينما هي تمشي في أحد الشوارع، وفجأة، سمعت صوت إطلاقِ عيارٍ ناري، تبعه صراخ وتدافعٌ للناس من كلِّ مكان...
لم تعرف ماذا عليها أن تفعل! بدأت تركض عكس الأخرين، إلى أن وصلت إلى مكانٍ يوجد فيه رجلٌ كبيرٌ في السن، مستلقٍ على الأرض، والدماء من حوله...
تصنمت، ووضعت يدها على فمها، وصرخت: "ساعدوه.... ساعدوه... ساعدوه". ولكن، وكأن أحداً لم يسمع...
بنظرة خاطفةٍ منها للذين يركضون من حولها، لمحت صاحب الرداء الأسود، يركض والدم يقطر من يديه... كان ذلك عندما ابتلعه جمهور الهاربين...
برقت في عقلها عبارة صغيرة: "لقد قتل العجوز!!!"
سرعان ما جاءت سيارة الإسعاف، وطوق رجال الأمن المكان... وإذا بأحدهم يقتادها من ذراعها بعنف، إلى أن أوصلها إلى رجلٍ فارع الطول، عريض المنكبين، توسم بعشرات من الأوسمة!...
قال لها: "من أنتِ؟ ماذا تفعلين هنا؟"... ولكنها لم تنطق بكلمة واحدة، كانت ما تزال مصدومة، فهذه أول مرةٍ تشاهد فيها قتيلاً يغرق بدمه بأم أعينها!.
أشار ذلك الضابط للجندي، فبدأ الأخير بتفتيش حقيبة يدها... وأخرج منها جواز السفر الخاص بها... أخذه، فتح الصفحة الأولى، وبسرعة، قال لها: "عذراً سيدتي، أنتِ زوجة الدكتور صلاح عيسى! أعتذر بشده"... وقال للجندي: "إذهب من هنا!"... وإلتفت إليها من جديد، مخاطباً إياها: "أين سيارتك الخاصة، سيدتي؟ سأوصلك بنفسي إليها!...".
في نفسها قالت: "تباً لكم جميعا، فقط لأنني زوجة صلاح عيسى بدأت تعاملني بإحترام، وقبل قليل كنت تصرخ في وجهي..."، ثم قالت له بتردد: "...لم يأتي السائق بعد، كنت انتظره عن الزاوية، وسمعتُ صوت...."، مقاطعاً لكلماتها: "المدينة أصبحت خطرةً على الأشخاص المهمين، أمثالكم، سيدتي... سأمر أحدهم بأن يوصلك بسيارتي الخاصة إلى المنزل، مع بضعٍ من الجنود...!" وبالفعل أمر بذلك.
ركبت بالسيارة، وهي تنظر إلى العجوز وهم يضعونه على سرير سيارة الإسعاف، والدماء غطت ملابسه... وتبعها جنديين مدججين بالأسلحة!
وصل الرحال إلى بيتها البعيد عن ضوضاء المدينة، والتي لطالما عشقته!... فتحت الباب، ودخلت إلى المنزل، وصورة الرجل صاحب الرداء الأسود لم تفارق خيالها... فخاطبت نفسها: "أيعقل أن يكون هو من قتل ذلك العجوز؟! لماذا؟ إنه عجوز لا حول له ولا قوه؟ من يا ترى هو ذاك، صاحب الرداء الأسود؟؟!"...
توقفت فجأة، وبرقت في مخيلتها عبارة "هو نفس الشخص الذي كنت معه! طوله، معطفه، قبعته، كلها نفس الشيء..."!
في تلك الأثناء، قاطعت عبارات الخادمة أفكارها،
- وقالت: "سيدتي، لقد جاء شخص غريب، ووضع لكِ هذا المغلف!"...
- بسرعة أجابت: "هل صلاح في المنزل؟!"...
- الخادمة: "لا، لم يأتي الدكتور صلاح بعد..."
- أردفت: "ومن ذاك الشخص؟ ألم يقل لكِ اسمه؟ ألم يقل لكِ شيئاً؟"
- أجابت: "طلب مني أن أخبرك بأنه صاحب الرداء الأسود... نعم، هكذا قال: صاحب الرداء الأسود. وخرج بعدها!"
بسرعة اقتربت من الخادمة، واختطفت المغلف من يديها، وصعدت إلى غرفتها...
جلست على تختها الكبير، وقبل أن تفتح المغلف، قربته من أنفها وبدأت تتنشقه، وقالت بصوتٍ فرح: "نعم إنه هو... هذا هو عطره!"... وفتحت المغلف بشوق...
صعقت لما وجدته بالمغلف!... كان هناك ورقةً كتب عليها: "بالطبع، كالمعتاد، نسيت أن أدفع الحساب... سأتصل بكِ قريباً، انتظري!"، ووجدت خمسة عشر دولاراً...
ضحكت وألقت نفسها على السرير، وقالت: "لقد كان يراقبني، لقد شاهد حتى كم دفعت للنادل (بخشيش)... إنه فعلاً غريب الأطوار..." وفجأة انتفضت، واستندت، وفتحت الورقة من جديد: " سأتصل بكِ قريباً، انتظري!"... نظرت إلى الهاتف، وقالت لنفسها: "كيف سيتصل بي؟ من أين يعرف رقم هاتفي؟ ماذا لو كان صلاح في المنزل؟..."
وبينما كانت تفكر بهذا كله، رنَّ الهاتف!
"أيعقل أن يكون هو؟!" قالت لنفسها.
ركضت إلى الهاتف، التقطت السماعة، ولم تنطق بكلمةٍ واحدة...
- "ليلى، هل أنتِ على ما يرام؟ هل خرجتِ من المنزل اليوم؟"... قال صلاح!
تجمدت، وعقد لسانها، وإحمرَّ وجهها...
- "ألو... هل تسمعينني؟؟؟" تابع.
- "... ألو... أنا بخير... بخير... لم أخرج... لماذا؟ ما الذي حصل؟" أجابت بتردد
- "الحمد لله، قريباً سأكون في المنزل..." أجابها
وانقطع الاتصال!
أغلقت الخط، وسرعان ما رنَّ الهاتف مرةً أخرى... التقطت السماعة بسرعة، وقالت: "متى ستأتي يا صلاح؟"... سمعت صوت الضحكة الصفراء تلك، واجتاحت القشعريرة جسدها... ثم:
- "صلاح سيأتي قريباً، ولكن أحببت أن أقول لكِ بأنَّ رداءك كان جميلاً اليوم، وبعد غد سأراكِ عند الجسر الكبير، في تمام الخامسة مساءاً... وداعاً".
- "ألو... ألو... ألو" قالت ليلى. ولكن، كان قد أغلق الهاتف.
وقفت مذهولةً من الذي قاله... وفكرت: "رداءي جميل؟! ألم يمتلك من الشجاع الكافي لكي يقولها لي وجهاً لوجه؟!... هل هو يحبني؟... كعادته، يعطيني الموعد بدون سابق إنذار، وبدون أن يسألني هل سأقدر أن أذهب أم لا... كأنه يعلم بأنني سأفعل المستحيل لأحظى بدقيقةٍ واحدةٍ معه... حقاً إنك غريب الأطوار يا سهم!".
سهم،
هو القدر المجهول... يأتي بهدوءٍ تام، ويغادر كما الإعصار!
هو سحابة من الخوف... ترعد في جسدها المنهك، مشعلاً نيران الرغبة فيها من جديد بعدما خمدت !
قيم هذا المقال



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك