عــــادت .. روح ســـهم ــ 1 ــ
كان دائماً يواعدها في نفس المقهى على نفس الطاولة عند الزاوية المظلمة... هي بدورها كانت ترتدي له ملابساً (غامقة)، وتضع له أحمر الشفاه، والعطر المفضل لديه!
كالمعتاد، كان يجلس معتمداً أن يبقي نصف وجهه في الظلام، والنصف الأخر تحت الإضاءة الخضراء الباهتة... في كلِّ مرة كان ينادي على النادل، ويقول له:"بالتأكيد، الطلب نفسه... كوبين من القهوة السوداء!"
كانت تتلذذ بالنظر إليه وهو يحتسي كوب القهوة الساخن، مداعباً إياها ببضع كلماتٍ غامضة... وبخار القهوة يخرج من فمه!
كان يشعل الرغبة بداخلها ببخاره هذا... ثم يصمت من جديد، تاركاً إياها تصارع وحش الرغبة الكاسر الذي يجتاح كل جوارحها..
في لحظةٍ يتيمة، انكسر فيها صبرها، صرخت ضاربةً بيدها تلك الطاولة، والتي ملّت وجودهما حولها، وقالت: "كم من النساء عاشرت؟!"
رفع رأسه قليلاً وابتسم ابتسامته الصفراء، وقال لها ببرودة أعصاب: "سيدتي، كم يلزمني من الصمت لأشبع غريزة الأسئلة لديكِ؟..." وخلد إلى صمته من جديد!
كان جوابه بالنسبة إليها بمثابة اللغز المبهم، فصمتت هي الأخرى، وقالت لنفسها: "عليَّ أن أتمالك نفسي، لقد اقتادني لساني إلى مصيدة صمته!.. كل الرجال هكذا، ينصبون فخاخ الصمت منتظرين أن تقع إحدانا في أحد تلك الفخاخ..."
مباغتاً صمتها: "بالتأكيد أنتِ لا تحبين الجسور، لأنها تربطكِ بالماضي، والماضي تريدين الهروب منه! وبالطبع، لا هروب من الماضي، لأنه لولاه ما كان الحاضر، أي ما كنا ها هنا..."...
حاورت نفسها من جديد: "هو حتى لم يسألني أي سؤال... لقد أعطاني إجابة لسؤال مستتر، متأكداً من أنني سأنطق الجواب إياه."
محاولةً الهروب من تأكيد الإجابة.. قالت: "لكن، الجسور هي نفسها التي تقود إلى المستقبل!."
مقاطعاً لعباراتها المترددة: :أحسنتِ، لقد بدأتِ تعزفين على نفس الآلة الموسيقية التي أحب... تابعي من فضلك!"
لنفسها قائلة: "كيف عساني أفهم ما قاله للتو؟! أهذه عبارات مجاملة؟ أم لعلها كلماتٌ يريد أن يختصر بها الطريق؟ أم هي يا ترى عبارات تخفي خلف جدرانها كلمة "أحبك"؟!.."
مقاطعاً لصمتها: "بالتأكيد، أنتِ توافقينني الرأي بأنَّ مصطلح "حب" لا ينتقل من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل... الحب يولد ويموت في نفس اللحظة!"
كانت تلك الكلمات كما غيمة الشتاء، والتي ألقت بغمامتها على الأرجاء...
قالت: "الحب يولد ولا يموت، نحن الذين نقبره وهو حي!.."
ملتقطاً بين شفتيه سيجارتاً، قال لها: "يموت أو يقتل، لا فرق، فالنتيجة واحدة..." وأشعل السيجارة!
نظرت إليه بصمت، وهو يسحب في أنفاسه من دخان السجارة تارةً، ويرتشف من فنجان القهوة تارةً أخرى... وكأني بأنفاسها هي التي تحترق عوضاً عن تلك السيجارة!
نظر إلى ساعته، وقال لها: "عذراً، سيدتي، عليَّ أن أغادر..." وانتصب بكلِّ ثقة، مرتدياً معطفه الأسود... والقبعة السوداء! إلتقط يدها ودنا من أذنها، وهمس: "بالتأكيد، سنلتقي مرة أخرى..." واعتدل من جديد، قالت له بلهفة.. وكأنها لا تعرف الإجابة: "متى وأين؟؟!"
ضحك، وقال: "لا تستعجلي... اجعلِ دفة المركب بين يدي القدر، فهو يعرف الزمان والمكان"... وخرج من المقهى تاركاً إياها جالسة مع كوب القهوة السوداء، وغارقة بين نيران رغبةٍ اكتسحت جسدها، وبين بضع كلمات تدور في عقلها الصغير.
هو رجل الضوء... يأتي ليلاً، ليباغت وحدتها... ويشعل بها رغبة عارمة للصراخ!
هو أسطورة... لا تعرف متى سيأتي، وكيف سيغادر!
هو بقايا غارقة... حملها محيط وحدتها، ليلقي به على شواطئ .. رغبتهــــا !
قيم هذا المقال



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك